ابن العربي
987
أحكام القرآن
والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافرا ما لم تؤثر في الاعتقاد . والذي عندي « 1 » أنّ البخاري روى عن حذيفة أنّ النفاق كان على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان ؛ وذلك أنّ أحدا لا يعلم منه هذا ، كما كان في عهد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يعلمه منه النبىّ ، وإنما هو القتل دون تأخير ، فإن ظهر ذلك من أحد في زماننا فيكون كقوله : من ترك الصلاة فقد كفر ، وأيما عبد أبق من مواليه فقد كفر . وقد قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : إنّ إخوة يوسف عاهدوا أباهم فأخلفوه ، وحدّثوه فكذبوه ، وائتمنهم عليه فخانوه ، وما كانوا منافقين . وقد حققنا ذلك في كتاب المشكلين . تحقيقه أنّ الحسن ابن أبي الحسن البصرىّ عالم من علماء الأمة قال : النفاق نفاقان : نفاق الكذب ، ونفاق العمل ، فأمّا نفاق الكذب فكان على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وأما نفاق العمل فلا ينقطع إلى يوم القيامة . المسألة السابعة - قوله تعالى : إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ : فيه قولان : أحدهما - أن الضمير عائد إلى اللّه تعالى . والثاني - أنه عائد على النفاق . عبّر عنه بجزائه ، كأنه قال : فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقون جزاءه . وعلى ذكر هذه الآية أنبئكم أنى كنت بمجلس الوزير العادل أبى منصور بن حمير على رتبة بيناها في كتاب ترتيب الرحلة للترغيب في الملة ، فقرأ القارئ « 2 » : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ ، وكنت في الصف الثاني من الحلقة ، فظهر أبو الوفاء علي بن عقيل إمام الحنبلية « 3 » بها ، وكان معتزلي الأصول ، فلما سمعت الآية قلت لصاحب لي كان يجلس على يساري : هذه الآية دليل على رؤية اللّه في الآخرة ، فإن العرب لا تقول : « لقيت فلانا » إلّا إذا رأته . فصرف وجهه أبو الوفاء المذكور إلينا مسرعا ، وقال : تنتصر « 4 » لمذهب الاعتزال في أن [ اللّه ] « 5 » لا يرى
--> ( 1 ) في ل : والمختار . ( 2 ) سورة الأحزاب ، آية 44 . ( 3 ) في ل : الحنفية . ( 4 ) في ا : ينتصر . ( 5 ) من ل . وانظر هذا مع قوله السابق .